مجتمع

حملة نظافة بمقبرة سيدي عبد الكريم بسطات تعيد الاعتبار لثقافة العناية بالمقابر

الاتجاه السياسي

بقلم

شعيب خميس

حين يتقدم العمل التطوعي لحماية حرمة الأموات وفي وقتٍ تتزايد فيه مظاهر الإهمال ببعض الفضاءات العمومية، وتغيب فيه ثقافة الصيانة الدورية عن أماكن ذات رمزية إنسانية ودينية عميقة، يبرز العمل التطوعي كضمير حي يملأ الفراغ، ويعيد الاعتبار لقيم الاحترام والمسؤولية الجماعية. هكذا بدت حملة النظافة التي احتضنتها مقبرة سيدي عبد الكريم بمدينة سطات، كمبادرة مواطِنة تحمل أكثر من دلالة، وتتجاوز بعدها البيئي إلى أفق أخلاقي وإنساني أوسع.

الحملة، التي نظمتها الجمعية السطاتية للتنمية الاجتماعية والعمل التطوعي، بتنسيق مع تنسيقية متطوعي ليساسفة – الدار البيضاء، وبشراكة فعالة مع شركة النظافة SOS، جاءت امتدادًا لعمل ميداني سابق شمل مقبرة لالة ميمونة بسطات، ما يعكس استمرارية هذا الفعل التطوعي وعدم ارتباطه بالظرفية أو المناسبات العابرة.

وقد انخرط عشرات المتطوعين في أشغال تنظيف شاملة، همّت إزالة النفايات، اقتلاع الأعشاب الطفيلية، وتنقية الممرات الداخلية للمقبرة، في مشهد يعكس وعيًا جماعيًا بأهمية صيانة هذه الفضاءات التي تحتضن ذاكرة المدينة وساكنتها. مشهد بسيط في ظاهره، لكنه عميق في رمزيته، إذ يبعث برسالة واضحة مفادها أن حرمة الأموات مسؤولية الأحياء.

ولا يمكن قراءة هذه المبادرة بمعزل عن سياقها المجتمعي، حيث بات المجتمع المدني مطالبًا، أكثر من أي وقت مضى، بسدّ ثغرات الإهمال، والمساهمة في الحفاظ على التوازن البيئي والإنساني داخل المدن. فالمقابر، وإن بدت صامتة، إلا أنها تعكس مستوى الوعي الحضاري للمجتمع، ومدى احترامه لقيمه الدينية والإنسانية.

من جهتها، ساهمت شركة النظافة SOS بتوفير الوسائل اللوجستيكية الضرورية، في نموذج يعكس أهمية الشراكة بين الفاعل الجمعوي والقطاع الخاص، حين تتقاطع الإرادة مع خدمة الصالح العام، بعيدًا عن منطق الربح الضيق.

إن حملة النظافة بمقبرة سيدي عبد الكريم ليست مجرد نشاط تطوعي عابر، بل صرخة هادئة في وجه اللامبالاة، ودعوة مفتوحة لترسيخ ثقافة العناية بالمقابر كجزء لا يتجزأ من العناية بالمدينة والإنسان. وهي أيضًا رسالة إلى الجهات المعنية بضرورة إيلاء هذه الفضاءات ما تستحقه من اهتمام دائم، بدل تركها رهينة مبادرات ظرفية، مهما كانت نُبلها.

وفي زمن تتآكل فيه القيم تحت ضغط الإيقاع السريع للحياة، تظل مثل هذه المبادرات بمثابة تذكير بسيط وعميق في آن واحد:
أن الوفاء للأحياء لا يكتمل إلا باحترام الأموات.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!