إصلاحات عميقة في قواعد الإثبات الجنائي بالمغرب: نحو توازن أدق بين سلطة المحاضر وضمانات المحاكمة العادلة
الاتجاه السياسي

بقلم
شعيب خميس
صادق البرلمان المغربي على تعديلات جوهرية مست قانون المسطرة الجنائية، في خطوة تشريعية وُصفت بأنها تحول نوعي في منظومة الإثبات الجنائي، تهدف إلى إعادة ضبط العلاقة بين سلطة محاضر الشرطة القضائية ومبدأ الاقتناع الصميم للقاضي، مع تعزيز حماية حقوق المتهمين وترسيخ أسس المحاكمة العادلة.
ووفق معطيات صادرة عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية، ضمن مستجدات القانون رقم 03.23 المعدل لقانون المسطرة الجنائية، فإن هذه التعديلات جاءت لإرساء توازن دقيق بين حرية الإثبات من جهة، وضمانات التقاضي العادل من جهة أخرى، عبر توسيع هامش السلطة التقديرية للقاضي في تقييم وسائل الإثبات وعدم التعامل معها كحقائق مطلقة.
في الصيغة السابقة للقانون، كانت محاضر الشرطة القضائية تتمتع بقوة إثباتية وازنة، وغالباً ما تُعتمد أمام المحاكم بشكل شبه تلقائي، وهو ما أثار انتقادات حقوقية وقانونية واسعة، خاصة في الحالات التي يشوب فيها المحضر نقص شكلي أو موضوعي. كما كانت شهادة متهم ضد متهم آخر تُقبل أحياناً دون ضوابط دقيقة، الأمر الذي أدى في بعض القضايا إلى إدانات قائمة على تصريحات معزولة، تفتقر إلى أدلة مادية داعمة.
التعديلات الجديدة وضعت حداً لهذا الجدل، حيث أعاد المشرع تنظيم حجية محاضر الشرطة القضائية بشكل واضح، من خلال المواد 289 و290 و291، مميزاً بين أنواع المحاضر وطبيعتها. إذ حُصرت الحجية القوية، التي لا يمكن دحضها إلا بسلوك مسطرة الزور، في محاضر الجنح والمخالفات، مع اشتراط معاينة شخصية دقيقة من طرف الضابط المحرر للمحضر.
أما باقي المحاضر، فقد اعتُبرت مجرد تصريحات تخضع للتقدير الحر للمحكمة، ما يمنح القاضي سلطة استبعادها متى تبين عدم كفايتها لإقامة دليل جنائي متكامل. وفي السياق ذاته، حسم القانون مسألة “شهادة متهم على متهم”، حيث نصت المادة 286 صراحة على عدم إمكانية الاعتماد عليها وحدها للإدانة، إلا إذا دعمتها قرائن قوية ومتناسقة.
وأقر المشرع أن هذه الإفادات تُتلقى دون أداء اليمين القانونية، وتُوظف كعنصر استئناسي يساعد المحكمة في تكوين قناعتها، دون أن ترقى إلى مرتبة الدليل القاطع إلا بوجود أدلة مادية داعمة. وهو ما يعكس توجهاً تشريعياً واضحاً نحو تقليص مخاطر الإدانة المبنية على الشك أو التصريحات المعزولة.
ومن بين أبرز المستجدات التي حملها القانون، التنصيص لأول مرة على إمكانية الاستماع إلى عناصر الشرطة المكلفة بعمليات الاختراق الأمني، وذلك بموجب المادة 296، بصفتهم شهوداً محميين. وقد قيد المشرع هذا الإجراء بثلاثة شروط أساسية: أن تكون الشهادة الوسيلة الوحيدة لإثبات الحقيقة، وألا يترتب عنها كشف هوية العنصر الأمني أو تعريضه للخطر، مع إخضاع مسطرة الاستماع لمقتضيات المواد من 325 إلى 347 ضماناً للحماية القانونية.
وتؤكد هذه الإصلاحات مجتمعة على تكريس مبدأ “الاقتناع الصميم” للقاضي، ليس كقناعة ذاتية مجردة، بل كاقتناع مؤسس على تعليل قانوني وواقعي دقيق. فلم يعد كافياً أن يقتنع القاضي بثبوت الجرم، بل أصبح ملزماً بتسويغ هذا الاقتناع بأدلة واضحة ومترابطة، وفي حال غيابها، يتعين الحكم بالبراءة، إعمالاً لقاعدة تفسير الشك لصالح المتهم.
وبذلك، يكرّس القانون رقم 03.23 توجهاً إصلاحياً يعزز استقلالية القضاء، ويحد من “سطوة المحاضر”، ويضع منظومة الإثبات الجنائي على سكة أكثر توازناً، بما ينسجم مع المعايير الدستورية والحقوقية للمحاكمة العادلة.








