التسول الإلكتروني من بلاغة الخطاب إلى بلاغة الإقناع لم يعد التسول في الشارع بل أصبح في جوالك
الاتجاه السياسي
بقلم
ذة سميرة ولد لشهب
في خدمة بلاغة الاقناع…. لم تعد الشاشات الرقمية مجرد نوافذ تطل منها على العالم، بل تحولت الى مسارخفية تدار فيها حروب باردة تستهدف أقدس ما نملك وهو “ضمائرنا”.
في ظل التحول الرقمي برزت ظاهرة التسول الرقمي كوجه جديد للاستجداء، لكنها لم تعد تعتمد على الرثاثة البصرية فحسب، بل ارتدت ثوبا لغويا ونفسيا معقدا. إنها صناعة تتقن فيها “بلاغة الخطاب” لتسخر بالكامل في خدمة “بلاغة الإقناع”. محولة التعاطف الإنساني إلى مجرد نقرة تحويل بنكي.
انتقل التسول من الزوايا المظلمة في الشوارع والأزقة إلى الصفحات الأولى في خلاصات وسائل التواصل الاجتماعي فالتسول الإلكتروني ليس مجرد طلب للمال عبر الإنترنت، بل هو “نص مفتوح” يصمم بعناية فائقة ليخترق المسافات.
الجغرافية والنفسية، الخطر هنا لا يكمن في طلب المال ذاته، بل في “الكيفية” التي يطلب بها، حيث تتحول القصص الإنسانية المؤثرة إلى مجرد قوالب جاهزة تستنسخ لاستدرار العطف، مستغلة الطبيعة الاندفاعية لمستخدمي الشبكات.
لكي ينجح التسول الالكتروني يجب أن يمتلك المتسول بلاغة خطاب” عالية؛ أي قدرة النص ( سواء كان مكتوبا، أو مصحوبا بصوت / صورة تساعده على بناء واقع وهمي أو مبالغ فيه. وتعتمد هذه البلاغات على عدة أدوات.
معجم الألم والضيق اختيار مفردات تحمل شحنة عاطفية قاسية لتعطيل التفكير المنطقي لدى القارئ.
سرد الضحية المثالية تقديم المتسول ليس كشخص يطلب حقا، بل كضحية للظروف القاسية، مما يخلق توازنا نفسيا يجعل القارئ في موقع المنقذ.
التوظيف البصري – النصي: عن طريق دمج صور مؤثرة مع نصوص قصيرة ومكثفة مما يؤدي إلى اكتمال الصورة بالنص وبالتالي يتم كسر أي حاجز منطقي قد يبنيه القارئ.
إذا كانت بلاغة الخطاب هي الأداة فإن بلاغة الإقناع هي الهدف.
هنا سننتقل من مرحلة كيف كتبت الرسالة إلى كيف أثرت في نفسية المتلقي، فالتسول الالكتروني يعمل على توظيف استراتيجيات إقناعية نفسية عميقة يمكن.
تلخيصها فيما يلي: استعجال القرار عن طريق استخدام عبارات من قبيل حالة حرجة أو تبرعك.
اليوم ينقذ حياة هنا الاستعجال يمنع القارئ من التحقق من صحة المعلومة ويدفعه للتصرف باندفاع.
تأنيب الضمير والذنب توجيه الخطاب بطريقة تجعل القارئ يشعر أن عدم تبرعه يعني تواطؤه في معاناة الآخر، وبالتالي فهي بلاغة إقناع تعتمد بالأساس على ابتزاز المتلقي.
إثبات اجتماعي مزيف يقوم المتسول فيها بإبراز أرقام وهمية أو تعليقات مزيفة تشكر المتبرع الوهمي لخلق خيال أن الجميع يتبرع، مما يدفع الفرد المحاكاة الجماعة.
يتضح جليا أنه عندما توظف بلاغة الخطاب لخدمة بلاغة الإقناع في التسول الالكتروني تنبثق مشكلة حقيقية وهي تأكل الثقة، حين يكتشف القارئ أن النص البلاغي المؤثر كان مجرد فخ. فهذا حتما يؤدي إلى تبلد التعاطف، حيث يصبحالمجتمع أكثر قسوة وتشككا ويحرم من يستحقون المساعدة فعليا.
إن ظاهرة التسول الالكتروني تكشف لنا كيف يمكن للغة أن تسخر لتشويه الحقيقة، وكيف يمكن لبلاغة الخطاب أن تتحول السلاح يفتك ببلاغة الإقناع الأخلاقية. فالضمير الإنساني نعمة لكنه بحاجة إلى درع من العقل وعدسة من التحقق.








