فقهاء وقضاة سطات مطلع القرن العشرين: حُماة الشرع وسدنة التوازن الاجتماعي في زمن التحوّلات
الاتجاه السياسي

بقلم
شعيب خميس
شكّلت مدينة سطات، خلال أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، إحدى الحواضر ذات الإشعاع العلمي والقضائي بمنطقة الشاوية، رغم طابعها القروي–الحضري الذي ميّز بنيتها العمرانية والاجتماعية آنذاك. ففي مرحلة تاريخية دقيقة سبقت فرض الحماية الفرنسية سنة 1912 وتلتها، برز الفقهاء والقضاة الشرعيون كركائز أساسية في ضبط إيقاع المجتمع، وتنظيم العلاقات بين أفراده، وصون المرجعية الدينية في سياق اتسم بالتحولات السياسية والإدارية العميقة.
وتبقى الصورة المتداولة لثلة من فقهاء وقضاة سطات وثيقة بصرية نادرة، تختزل ملامح مرحلة كاملة، وتُجسّد وجوه رجال حملوا أمانة القضاء والتعليم والإفتاء، وأسهموا في ترسيخ الاستقرار داخل المدينة ومحيطها القبلي.
أولًا: القضاء الشرعي بسطات… سلطة الفصل والإصلاح
كان القضاء الشرعي بسطات يستند إلى الفقه المالكي باعتباره المرجعية الرسمية للدولة المغربية، حيث اضطلع القاضي بأدوار متعددة لم تقتصر على الفصل في الخصومات، بل شملت توثيق العقود، والإشراف على الأحباس، والسهر على شؤون الأيتام، والإصلاح بين المتنازعين. لقد كان القاضي في ذلك الزمن مرجعًا دينيًا واجتماعيًا، ورمزًا للهيبة والعدل داخل المجتمع.
ومن أبرز القضاة الذين بصموا تلك المرحلة:
القاضي سكيرج: ينتمي إلى أسرة علمية عريقة، وتولّى مهامه في ظرفية دقيقة، عُرف بالحزم والاستقلالية في إصدار الأحكام، وتمسكه الصارم بأصول المذهب المالكي.
القاضي بوعشرين: برز في قضايا الأحوال الشخصية والعقار، خاصة ما يتعلق بالأوقاف والتحبيس، وهو مجال شكّل ركيزة أساسية للاقتصاد الديني والاجتماعي.
القاضي العزوزي: جمع بين منصة القضاء وحلقات التدريس، فكان حلقة وصل بين المؤسسة القضائية والتعليم التقليدي داخل المساجد.
القاضي عبد الحفيظ الفاسي: يمثل الامتداد العلمي لمدينة فاس نحو منطقة الشاوية، بما يعكس دور الحواضر الكبرى في تغذية المجال القروي بالكفاءات الفقهية.
القاضي عباس الطعارجي: اشتهر بالحكمة وسداد الرأي، وكان مرجعًا في النزاعات القبلية المعقدة التي تتداخل فيها الأعراف مع النصوص الشرعية.
القاضي زنيبر: عُرف بالنزاهة والاستقامة، خاصة في قضايا الأراضي الزراعية التي كانت مصدرًا دائمًا للتوتر في المجال القروي.
القاضي عيسى البوعزاوي: تولّى مهامه خلال بدايات عهد الحماية، وساهم في الحفاظ على حضور القضاء الشرعي وسط التحولات الإدارية الجديدة.
القاضي علال الحجاج: تميز بالتقوى والتشدد في شروط الشهادة، وكان مثالًا للقاضي الورع الذي يحظى بثقة الأهالي واحترامهم.
ثانيًا: الفقهاء… مشاعل التعليم والإصلاح
إلى جانب القضاة، اضطلع الفقهاء بدور محوري في تكوين الأجيال وتأطير الحياة الدينية والاجتماعية. فقد كانت المساجد والزوايا مدارس حقيقية لتدريس القرآن وعلوم الفقه والفرائض، ومنها تخرّجت أجيال تولّت لاحقًا مسؤوليات تعليمية وقضائية.
ومن بين الأسماء البارزة:
الفقيه بوبكر الحجاج: عُرف بتدريس القرآن والفقه، وخرّج عددًا من الطلبة الذين أصبحوا لاحقًا فاعلين في الحقل الديني والقضائي.
الفقيه حنون: تخصص في علم الفرائض، وكان مرجعًا موثوقًا في قضايا المواريث، وهو علم يجمع بين الدقة الفقهية والحسابية.
الفقيه بركاش: اشتهر بالوعظ والإرشاد، وكان له حضور قوي في إصلاح ذات البين وتقويم السلوك الاجتماعي.
ثالثًا: النخبة العلمية في سياق التحوّل التاريخي
جاءت هذه النخبة في مرحلة اتسمت بضعف السلطة المركزية في أواخر العهد السلطاني، وتصاعد التدخل الأجنبي، ثم فرض نظام الحماية الفرنسية وما صاحبه من إصلاحات إدارية وقضائية. ورغم هذه التحولات، ظل القضاء الشرعي والفقهاء يشكلون صمام أمان حافظ على الهوية الدينية، وضَمِن استمرارية المرجعية المالكية في تفاصيل الحياة اليومية للناس.
لقد لم يكن فقهاء وقضاة سطات مجرد موظفين في جهاز ديني، بل كانوا فاعلين اجتماعيين وتاريخيين، أسهموا في حفظ التوازن بين الشرع والعرف، وبين السلطة والمجتمع، وبين الثابت والمتغير في زمن التحولات. وتمثل صورهم اليوم وثائق تاريخية ذات قيمة كبيرة، تستدعي مزيدًا من البحث والتوثيق اعتمادًا على الأرشيف المحلي، والمخطوطات، والروايات الشفوية، حفاظًا على ذاكرة المدينة وصونًا لإرثها العلمي والقضائي.








